حكايات من الكتاب الاسود 💀
مِن وأنا صغير متعود أساعد والدي في شُغله، أحنا ناس على قد حالنّا وشغلنا يوم بيومه، أبويا معاه عربية نُص نقل فاتح بيها البيت وشوية هنا على شوية هناك ربنا بيبعت له رِزقه والحمد لله مَستورة، على الساعة 11 بالليل تيليفون أبويا رَن، كان عم (شكري) جارنا، أبويا فضل يقول:
-تمام، طب والطلعة دي بكام، خلاص على بركة الله.
قفل المكالمة ومادانيش فرصة أسأل، قال ليّ:
-خش ألبس يا مصطفى عشان جالنّا شغل، هَنحمل طوب على العربية وهنوصله لمصنع على السريع كدا، خف نفسك وحَصلني.
قولت له حاضر ودَخلت لبست وطلعت له، دَاورنا العربية ومشينا، شوية ووصلنا للمكان، المكان ساكت وهادي من جوانب الطريق أراضي زراعية وعواميد النور وصوت الصراصير بتاعة الأرض، خوفت شوية خصوصًا أن المكان قريب من المقابر، نزلنا ورُحت أنا وأبويا نسلم على عم (شكري) والراجل اللي واقف معاه وبعد السلام وبداية الحوار المصري الروتيني أتكلم الراجل اللي عرفت ألقط اسمه من التعارف، اسمه الحاج (يس) بص لأبويا :
-بص ياريس (محمود) أنت هتاخد نَقلة الطوب و الرتش ده توصله لمصنع في العنوان (....) هو بيتعامل في الرتش والطوب القديم وهيتطلع لك حَسنة حلوة.
-تمام، مافيش مشاكل يا حاج (يس)
أبويا راح لآخر العربية طلع جاروفين واداني واحد:
-يلا يا (درش) بينا نحمل على العربية
وفعلًا بدأنا نشيل الطوب على العربية، بغض نظر عن ريحة الطوب الوحشة بس خلصنا بسرعة، سلمنا على الناس وركبنا العربية ومشينا، عدى حوالي نُص ساعة وأحنا ماشين لحد ما طلعنا على الطريق (...)، حسيت بخيالات سودة بتجري جنب العربية، ركزت شوية مالقيتش حاجة، ببص قدامي لَقيت فجأة واحدة ظهر قدام العربية اللي عرفت أحدده من شكله أن دقنه طويلة أوي وسوده وأنه كمان أعور.
أنا وأبويا زعقتنا واتخدينا والعربية انحرفت عن الطريق ودخلت وسط الرمل والصخور، اتحملنا وجع الخبطة وهول اللحظة اللي فاتت ونزلنا من العربية عشان نشوف أغرب منظر في حياتنا، الراجل اللي خبطناه واقف على العربية من ورا ومعاه ناس كتير كانو بيشيلوا الطوب وينزلوه في الأرض، وفي كذا حد أخد باله فحدفنا بالطوب عشان نبعد، أبويا شدني من أيدي وقال لي:
-أجري يا (مصطفى)
-والعربية؟
-في داهية يلا
وبالفعل جرينا بس ما بعدناش أوي، من كتر التعب والخضة قعدنا نريح على الأرض وكُل واحد فينا سند على التاني، من كتر التعب نعسنا من غير ماناخد بالنا.
صحينا بسبب حرارة الشمس وقومنا مَفزوعين، رجعنا تاني لمكان العربيةى لَقيناها زي ماهي لَكن مافيش أثر للطوب، بصينا لبعض في استغراب وجرينا عشان نركب، وفعلًا أبويا أول مادور العربية دارت معاه، رجعنا من نفس الطريق اللي جينا منه.
طول الطريق سرحانين وبنفكر أزاي ده حصل وعشان أية، طول الطريق مش مجمعين، أول ماوصلنا البيت لقينا حركة مش عادية في منطقتنا، نزلنا نفهم في أية محدش عارف، كان في تجمع كبير أوي عند بيت (عم شكري)، فضلنا نعافر ونعدي مابين الناس لحد ما وصلنا، (عم شكري) شنق نفسه في البيت وانتحر، المنظر كان صعب ولايُحتمل، مراته كانت بتصرخ:
-قولت لك (ياشكري) بلاش تُربة (السكاكيني)، قولتلك أحنا مش مستغنين عنك، ماسمعتش الكلام.
مافهمتش في أية أبوياخدني ونزلنامن العمارة:
-في أية يابا أنا مش فاهم حاجة
- أصبر يا (مصطفى)
أبويا طلع تليفونه وأتصل على (الحاج يس) وحكاله كُل حاجة، بعد ماقفل التليفون، قال ليّ:
-أصبر (الحاج يس) جاي في الطريق
حوالي ربع ساعة ووصل:
-هات ابنك تعالى معايا للقهوة
-قهوة أية ياحاج الراجل ميت وأنت عايزني أقعد على قهوة
-أسمع الكلام أنا هقول لك كلمتين وماشي يلا
روحنا على القهوة وبعد ماطلبوا الشاي بدأ الحاج ده يتكلم:
-بص يا (أسطى محمود) الطوب اللي أنت حَملته على عربيتك ده كان بواقي تكسير تربة جدي الكبير (السكاكيني)، التربة عدى عليها زمن وكان لازم تتجدد، بس جدي ده زي ماتقول كدا أنه شغلته كانت خطرة شوية، بيحضر جن أو زي مابيتقال عليه أنه ساحر ووصى قبل مايموت أن كُل حاجته تتدفن معاه ولمّا حد من نسله يموت مافيش غريب يحضر الجنازة ولاغريب يفتح باب التربة، وأنت عارف أنا راجل صحتي على قدي، اتفقت مع (شكري) أنه يجي يفتح التربة ويلم العضم اللي فيها على جنب ويكسرها، وبعد مايخلص ينقل الطوب على أول الشارع لحد ما تيجي أنت تاخده وتوديه للمصنع وتبيعه له، بس الظاهر أن وصيته لازم تتنفذ في كُل زمن، عمومًا البقاء لله وحده يا (أسطى محمود)، ولو فيه حاجة بخصوص الماديات أنا تحت أمرك في اللي تطلبه، اللي أنت شوفته ده بس ممكن عشان اللهم أحفظنا عايزين ياخدوا بواقي التربة ومايفرطوش فيها، الحمد لله أنك بخير.
أنا بسمع الكلام ومش مستوعبه من الصدمة، مش مدرك فكرة أن الجن ممكن يظهر لك حتى في أكل عيشك، الموقف ده عمري في حياتي ماهنساه أبدًا.
محمد عبد القادر
#حكايات_من_الكتاب_الأسود
منتظر رآيكم كالعادة💙
التعليقات على الموضوع