قصة ❤الحالة صفر💔
«الأسوأ من الموت، هو انتظاره».
إنك تبقى عارف إن اللي فاضِل لك مش كتير، ومستني اللحظة اللي هتُقبَض فيها روحك، أصعب من الموت نفسه بمراحل.
أنا كُنت مستني في مكانٍ ما، الضوء في كل أركانه، مُستلقي بجسدي على سرير بطريقة مش مُريحة، معرِفتش أغيَّرها، مش فاكر أي حاجة، غير...
اسمي (مراد)، الاسم حلو جدًا رغم إنه قديم شويتين، ورغم إنه مش عاجِب اصحابي، أنا وحيد أمي وأبويا، هُما ملهومش غيري في الدُنيا يمكن، أنا اصحابي يتلخصوا في اتنين، (رامي) و(يوسف)، أحيانًا بحِس إني غيرهُم، مش بنتمي إليهم، ممكن يكون ناتج عن كوني تالتهم، تالت اتنين حبايب، زائد عن الحاجة، لو في يوم غادرت، ما أعتقدش إني هفرِق، بحس إني صفر، صفر على الشمال، أو اليمين، أنا صفر! كل ما في الأمر إني وعيت لقيتهم، بيشاء القدر يجمعني بيهم في كل مرحلة جديدة، من وإحنا في حضانة، لابتدائي، لإعدادي، لثانوي، ويشاء التنسيق نكون كلنا في جامعة حلوان، صيدلة، وطب، وحقوق، أنا الأخير فيهم.
مفيش شيء في حياتي إلا وبفشل فيه، مبعرَفش أواجِه، محتاج لحدَ دايمًا ياخُد القرار بدالي، حتى علاقات الحُب، أنا فاشل جدًا فيها، أي علاقة مبتدومش أكتر من شهر، هما علاقتين بس فِي حياتي، أو أكتر.. يمكن الشيء المُتفَق عليه، إنه كان من طرف واحد، منبوذ عن الباقي، معنديش أي ذكرى، كما الهامش اللي في كُراسة إجابات طالب فاشل، لدرجة إني بقول لنفسي: «هو أنا لما أكبر هحكي لولادي على إيه؟!»، أنا فاشل في كل حاجة، حتى الانتحار فشلت فيه، يمكن نجاحي الوحيد وقتها، إني اكتشفت إني جبان قوي.
في السنة التانية ليَّ في الجامعة، جالي سرطان في الدماغ، اتحجزت في المستشفى فترة، كانت بتجيلي آلام شديدة جدًا، مكونتش بستحملها، كُنت بصرُخ بصوت عالي جدًا في المستشفى، كانت الساعة تقريبًا حوالي واحدة ونص بالليل، لقيت ممرضة جايَّة تجري عليَّ، بتجري بسرعة وفي إيدها شريط برشام، كلهم زعقولها، وبكل برود وأنا بتألم وبصرُخ، قالت لها واحدة تخينة:
- اصبري لما نتصل بدكتور شريف، نسأله الأول.
- دي تاني مرة يزعق كده! هيموت مننا، والدكتور مبيردش، أنا مش هستنى ولا هستحمل أشوفه كده!
طلَّعِت برشامة، وقومتني وشربتهالي بميه، قالت لها الممرضة التانية:
- إنتِ حرة، وهو مسؤوليتك، دكتور شريف لو خد خبر يا مريم، مش هيحصلك طيب.
دقايق وكُنت بسترخي، وبروق بسرعة رهيبة، حسيت إني رجعت من الموت، حسيت إنها أنقذتني، فندَهت لها من بره، ولقيتها جاية بسرعة، فقولت لها:
- مش عارف أقول لك إيه.. بس شكرًا، لإنك مسيبتنيش أفضل أموت لبُكرة بالشكل ده.
- ده واجبي، معرفتش أسيبك كده، أي حد عنده قلب، كان هيعمل زيي وأكتر يمكن.
- شكرًا.
وقتها ابتسمِت أحلى ابتسامة في حياتي، «أي حد عنده قلب»، باين مفيش غيرك هنا عنده قلب، باين مفيش غيرك في حياتي عنده قلب..
تاني يوم، لقيت أبويا وأمي وقرايبي، كلهم كانوا في أوضتي، و(يوسف) و(رامي)، بس كلهم كانوا واخدين مني جنب، ما عدا أبويا وأمي، كنت حاسِس إن الباقي خايف يقرب لي، وبيدعوا لي، دعوات بتقتلني، بيدعوا ربنا يشفيني قدامي، بطريقة باردة، حسستني إني خلاص هموت، مطمِّنيش غير دخول الدكتور، لما قال وهو بيبُص في ورقة الحالة:
- مراد محظوظ جدًا، ربنا بيحبك يا مراد، الأشعة قالت إنك لسه في البداية، وبإذن الله هيكون من السهل إننا منلجأش للعملية، وتمشي قريب.
مش ناسي أبويا لما قام وصلى ركعتين شُكر لله، ولا ناسي أمي وهي عمالة تبكي، وتبوس دماغي وتحمد ربنا.. والباقي كان عمال يردد: «الحمد لله».
لاقتني بغرابة بدور على (مريم)، عاوز أعرَّف أمي بيها، وأعرفها إني هخرج قريب، هي عندها قلب، أكيد هتفرح بإني هخِف، سألت ممرضة عنها، فقالت لي إن الشيفت بتاعها من الساعة 12 بالليل، أمي لاحظت فسألتني، قولت لها إنها حَد عنده قلب، وحكيت لها عن أحلى بنت في الدُنيا كلها، الوردة اللي طلعِت في وسط الصحرا..
وفضِلت يومين أراقبها من بعيد، وقت ما الساعة تيجي 12، كُنت بستناها، وأراقب عينيها، كأنها أرض خضرا، وأنا اللي حياتي بور، عينيها الخضرا، وبياض بشرتها الخافت، عودها الفرنسي الأصيل، قلبها.. أنا يمكن اللي جذبني لها قلبها، هي أول شخص بعد أبويا وأمي ألقاه بقلب.. بنت العشرينات.
لحد ما الحالة والزعيق رجعوا، وكإنهم اتضربوا الضعف، كنت بدعي ربنا، عمال بدعي وأنا بصرُخ، دماغي هتنفجر، وقولت بصوت صُراخي:
- ماااارياااام!
جت إدتني نفس البرشامة، لكن أنا كُنت بترعش، فضلت أترعِش، وهي نزلِت على رُكبتها، ظهر عليها قلق.
«عيناها كانتا تلتمعان بالدموعِ فتُضيء ظُلمَتي التي لم يُنِرها أحدٌ قبلها قط، لم أشعُر بنفسي، إلا وروحها تتغلغل في جسدي، دون لمسٍ أو همس، وكأنني قد عُدتُّ إلى الحياة مرةً أخرى».
- إنتَ كويس؟!
- أنا مكونتش كويس طول حياتي، ودلوقتي بقيت كويس يا مريم.
- الحمد لله، أنا قلقت جدًا، خوفت لتروح.
- ينفع تفضلي موجودة؟!
- أنا موجودة من 12 بالليل لـ 12 الضهر.
- لا أقصد...
- تُقصد إيه؟!
- أقصُد تفضلي موجودة في حياتي.
- بعد الشر، متقولش كده، بإذن الله هتقوم وتخرج من هنا وترجع أحسن من الأول.. لو احتاجت حاجة أنا بره، انده لي.
خرجِت، حسيت إني أحرجتها، خصوصًا إني لاحظت الممرضات اللي بره وهما بيضحكوا، على إنها مهتمة بيَّ وكانت قعدة معايا، لإني قريب لسنها.. كلامهم كان بيزيد طول الشهر اللي قضيتُه في المستشفى، وعلاقتي بيها اللي زادت مع كل مرة كنت بتوجَّع وتجيلي الحالة، كنت بحكي وبتكلم معاها عن نفسي، وكنت برتاح لكلامها جدًا.
كان شهر قلب حياتي، غيرني 180 درجة، أصبحت فُلان تاني، تأكدت إن القدر مُمكن يكون بيهديك شيء سيئ لأجل ماتوصل للحلو، وإن القلب مش محتاج غير لحظة علشان يحب، كتير قوي الناس اللي عايشين، بس قليل قوي منهم اللي عنده قلب، قليل اللي مُضغِته بيستخدمها لحاجات تانية غير ضخ الدم للجسم، قليل اللي بيستخدم مُضغِته لضخ السعادة في قلوب الآخرين والشعور بيهم.
بسببها كُنت فرحان بالمستشفى، وزعلان إني خارج منها الصبح، جَت تودعني بكلامها وهي فرحانة، وقالت بحُسن:
- مبروك يا مراد، فرحانة إنك هتُخرج بكرة.
- بس أنا مش فرحان يا مريم!
- ليه كده؟!
- حاسِس إني همشي وهسيب جزء كبير مني هنا، جزء لا يمكن أعيش من غيره.
- جزء إيه؟
- مريم، أنا عُمري ماعرفت آخُد قرار في حياتي وأثبت عليه، قد كلمة «بحبك يا مريم»!
- إنتَ فهمتني غلط يا مراد، أنا مبفكرش فكده نهائي، ولا عُمري هفكر، إنتَ كُنت مريض، وأنا ممرضة وواجبي إني أرعاك، لكن من بعد دلوقتي، الحمد لله ربنا عافاك، وإنتَ خفيت، وأنا دوري خلِص.
- بس أنا مبحبِش حد يختفي من حياتي، ما بالِك إنك مش حد يا مريم!
- آسفة.. أستأذنك، أنا خارجة دلوقتي، سلام.
«وإن الحاجات الحلوة مبتدومشِ».
مشيت، ولأول مرة أكرَه طلعِة الشمس، لمجرد إنها مش هتكون موجودة فيها، مش هتكون موجودة تاني، بعد ما لاقيتها.
اتمنيت وأنا على باب المستشفى أمنية، حطيت الهاند فري في ودني، شغلت لـ(عبد الرحمن محمد) وأنا خارج مع أبويا وأمي من المستشفى.
«يا بدرًا كم سهِرَت عليك نواظِرُ».
ومر عليَّ شهرين، أيام في بعدها كانت سنين، مبقيتش حاسس بوجود اللي حواليَّ، حتى أهلي واصحابي الاتنين، مبقيتش حاسس غير بصمت اللي حواليَّ، ملامحي أصبحت مكشرة دايمًا، ودماغي رجعت توجعني، بس مبقيتش أطلع أي صوت، نزلت أسأل على نوع المسكن في الصيدليات، اللي كانت بتدهوني هيَّ، لقيتهم بيقولوا إن لازم روشته لإنه ممنوع، فلجأت للممنوع، ولجأت لناس مكانش ليَّ صلة بيهم، كانوا مجرد معرفة، عارف إنهم ليهم في سكة الممنوع، فبدأت أجيب شرايط، وأشرب بشكل يومي، أعصابي كانت بتتعب جدًا، حتى (يوسف) و(رامي)، بعدوا عني.. بعد ما عرفوا، بعدوا عني تمامًا، لكن أبويا وأمي حاولوا يخرجوني من المود، اللي مكانوش عارفين له سبب، ولاقيت أمي بتقول لي:
- يلا يا ابني خارجين، محضرين لك يوم مفاجأة.
ولما جيت أركب عربيتنا، فتحت الباب اللي ورا كالعادة، فلاقيت أبويا بيقول لي بإصرار:
- لأ إنتَ اللي هتسوق، وأنا هقعد جنبك، وأمك هتقعد ورا.
كان مصر جدًا، لإني كنت بتحايل عليه زمان، فركبت، ودوَّرت العربية، وحطيت الهاند فري، دون أي شعور مني، أو حتى أتكلم معاهم في جو زي ده، ومشيت بالعربية.
كنت بسمع ومندمج ومعلي صوت المزيكا، وكنت شارب قبلها برشامتين، تحسُّبًا لأي وجع يعكر حالي أكتر ما هو متعكر، عين أمي في المرايا وملامحها وهي زعلانة عليَّ، إيد أبويا على كتفي في حالة إثبات وجود.
عدِّت تريلَّا كبيرة قدامي، معرفتش آخد قرار، أحوِد يمين ولا شمال، أفرمل ولا أسبق، أعمل إيه، أعمل إيه؟!
العربية اتقلبِت، مدريتش بنفسي غير وأنا هنا، أبويا وأمي ماتوا، وأنا السبب، أنا اللي عملت كل ده، كل ده بسببي أنا! معرفتش آخد قرار، أنا لسه مخفيتش، أنا محتاجِك، ومحتاج أمي وأبويا، الموقف محفور في دماغي الملعونة، ملامح أمي، وإيد أبويا، الأمنية اللي اتمنيتها وأنا على باب المستشفى، كانت إني أعود للمستشفى، كانت إني أرجع لها، يا ريتني ما اتمنيت!
بقالي أسبوع هنا، مش عارف أتحرك، ولا عارف...!
صوت دكتور بيكلم الممرضات:
- الحالة ميؤوس منها، وعيلته قررت إنها تشيلوا من على الجهاز، الغيبوبة طالت والحالة ماتت إكلينيكيًا.
بيشيلوا الأجهزة..
- لأ، أنا لسه عايش.. استنوا.. استنوا.. محدش يشيل حاجة!
(مريم) بتعدي من قدام باب الغرفة، وشافها.
- يا ماااارياااام.. يا ماااارياااام.. قولي لهم إني لسه عايش!
محدش سمعه.
- يا مريم.. متسيبنيش.. يا مريـ...
شالوا الأجهزة..
الحالة ماتت!
الحالة صفر
____________
قصة: #الحالة_صفر 💔❌
#محمود_مصيلحي
التعليقات على الموضوع