قصة المشنقة 👀
قصة قصيرة
المشنقة
******
كنا في نوبة حراسة .
في هذه المنطقة الصحراوية المتاخمة للحدود الليبية.
كنت أنا و زميلي فقط المسئولون عن هذه النوبة الليلية للحراسة.
اخبرنا الضابط المسئول عن توزيع الحراسة بالا نتحرك من موقع الحراسة أبدا.
و أن نطلق النار علي أي شخص يعبر المنطقة إن كان في متناول مرمي بنادقنا.
و لكن علينا ألا نترك موقعنا ابداً مهما كانت الظروف.
بدأنا نوبة الحراسة.
و كنا في منطقة تدعي المشنقة.
و التي كما اخبروني.
كانت المكان الذي يعدم فيه الجنود الفارين من القتال في الحرب العالمية الثانية.
كانت الليلة صيفية هادئة.
وكان الجو حاراً حتى في هذا الوقت من الليل.
أشعلنا ناراً صغيرة لصنع الشاي.
و ظللت أنا و زميلي نتبادل الحديث حتى انتصف الليل.
كان القمر هلالا صغيرا.
و كانت الظلمة شبه تامة علي بعد مترين فقط منا.
فجأة لاحظت أن هناك نارا مشتعلة في موقع يبعد عنا حوالي الكيلومتر.
لفت نظر زميلي إلي هذه النار.
و قلت متسائلا:
من يكون هؤلاء الذين أشعلوها؟
فقال لي:
لا دخل لنا في هذا الأمر.
اخبرنا الضابط بالا نترك موقعنا مهما حدث .
سوف أطلق عليهم النار إن اقتربوا.
أما وهم علي هذه المسافة .
فلا دخل لي بهم.
فقلت له و قد أخذني الحماس:
أليست مهمتنا هي حماية الحدود و الدفاع عن الوطن .
يبدو أنهم مجموعة من المهربين أو المجرمين.
يجب أن نوقفهم.
هذا هو واجبنا.
فقال لي :
قم أنت بإيقافهم.
أما أنا.
فلن أخالف الأوامر مهما حدث.
اتهمته بالجبن و سخرت منه.
ثم قمت بالتأكد من حشو بندقيتي.
و سرت متجها نحو النار.
كنت اسير بفخر و زهو .
ممنياً نفسي بوسام الشجاعة علي بطولتي.
أو علي الاقل الشكر و الاحتفاء من القائد علي شجاعتي و بطولتي.
سرت كثيرا جدا في اتجاه النار.
حتى غدت النار التي أشعلتها أنا و زميلي ضئيلة جدا كشمعة صغيرة في الظلام.
عجبا.
لم أكن أظن أن المسافة بعيدة لهذه الدرجة.
لقد ظننت أنها تقارب الكيلو متر الواحد فقط.
و لكنها تبدو الآن ابعد بكثير.
كنت أري النار لازالت مشتعلة.
وتبدو علي نفس البعد.
كأني لم أتحرك من مكان الحراسة أبدا.
قلت في نفسي :
اهو سراب يا تري؟
في هذه اللحظة قررت العودة.
و لكني وقفت للحظة أفكر.
أفكر في سخرية زميلي مني عندما ارجع بخفي حنين.
حسنا ليكن ما يكون.
السخرية أفضل من الضياع في هذه الصحراء.
كما أن النار المشتعلة عند زميلي تكاد تختفي عن ناظري حقا.
التفت إلي الوراء عائدا إدراجي.
وعندها وجدت ذلك الشيخ العجوز.
كان واقفا أمامي بملابسه الرثة و لحيته الطويلة غير المنسقة.
قفزت مترين إلي الوراء من شدة الفزع.
و أمسكت ببندقيتي محكما التصويب و أنا اصرخ فيه:
من أنت؟
تكلم و إلا أطلقت النار.
قال لي بصوت عميق.
لماذا أنت هنا وحدك.
الم يخبروك بعدم التجول وحدك في هذا المكان؟
فقلت له:
و لم لا ؟
فقال و هو يبتسم ابتسامة شريرة كشفت عن اسنان صفراء متآكلة:
انظر خلفك.
نظرت خلفي فإذا بالنار البعيدة التي كنت انظر إليها علي بعد مترين فقط مني.
و حولها اصطفت مجموعة من الجنود.
كانوا يرتدون ملابس خضراء زيتية و خوذات معدنية من نفس اللون.
و التي لم تكن تشبه أي زى قد شاهدته من قبل.
كانوا يلتفون حول مشنقة خشبية كبيرة.
تدلي منها جندي أخر.
والغريب أنهم كانوا يضحكون و يتكلمون مع بعضهم البعض.
يتكلمون بلغة غريبة.
لغة لم اسمعها من قبل.
ليس هذا هو الغريب فقط.
الغريب أن هذا الجندي المعلق في المشنقة.
كان يتبادل معهم المزاح والضحك أيضا.
بالرغم من عنقه المكسور و لسانه المتدلي خارج فمه.
كدت أموت رعبا.
نظرت إلي الشيخ مرة أخري.
فإذا بوهج النيران ينعكس عليه.
وعندها لاحظت هذا الشيء الغريب للمرة الأولي.
لاحظت أن قدميه لم تكونا بشريتان.
كانتا قدمي جدي.
سقطت أرضا من هول المشهد.
نظرت إلي الجنود مرة أخري.
فوجدت أنهم قد اختفوا تماما.
ولم يعد لهم ولا للنار أو المشنقة أي اثر.
عدت لأنظر إلي الشيخ.
فوجدته قد اختفي هو الأخر أيضا.
ظللت لمدة دقيقة ملقي علي الأرض.
لا استطيع التحرك و أتنفس بصعوبة بالغة.
أخيرا استطعت أن استرد أنفاسي و أتمالك نفسي.
و أسلمت ساقي للرياح عائدا إلي زميلي.
كان مبتسما وهو يراني عائدا.
كان مستعدا بشدة للسخرية مني.
ولكن ما أن رأي وجهي حتى عدل عن هذا و قال :
ما بك تبدو كمن رأي شبحاً.
فقلت له بأنفاس متقطعة مبهورة:
صدقني لن تصدق ما رأيت.
مهما أقسمت لك.
و ارتميت علي الأرض ارتجف بشدة حتى موعد تغير الوردية في الصباح.
و قد أقسمت علي ألا أعود إلي هذا المكان.
مهما كانت العواقب.
أبدا.
تمت
فؤاد طنطاوي
*******************
التعليقات على الموضوع