قصة ❤شجرة التوت❤
قصة قصيرة
شجرة التوت
************
أنا ابن قرية صغيرة من قري الصعيد.
تركتها بعد دراستي الثانوية لالتحق بكلية الطب في القاهرة.
كانت زياراتي للقرية منذ ذلك الحين قليلة جدا.
و ذلك لما تتطلبه دراستي من مجهود و وقت طويل.
حتى أني في الإجازات.
كنت انشغل بتحضير الأبحاث و قراءة المراجع.
لذلك لم أتواجد في قريتي منذ ذلك الوقت إلا لأيام معدودة في كل عام.
أنهيت دراستي أخيرا.
وقررت العودة إلي قريتي لافتتح عيادتي الخاصة.
حتى أكون في خدمة أهلي و جيراني الطيبين من أهل القرية.
بعد عودتي إلي القرية.
بدأت في البحث عن مكان يصلح لكي يكون عيادتي الجديدة.
وجدت ضالتي في مبني صغير يقع علي أطراف القرية .
قمت باستئجار المبني و تأثيثه للبدء في العمل.
بقيت لدي مشكله واحدة فقط.
كنت احتاج إلي مساعد.
شخص ما يقوم بالحجز و تولي الأمور المالية.
وقد رشح لي احد أقربائي فتي نشيط و أمين و ذكي لهذه المهمة.
استبشرت خيرا و بدأنا في العمل.
طبعا كانت العيادة مسائية.
كان هذا الفتي يسكن بالقرب من منزلي في القرية .
فكنا نسلك نفس الطريق سويا بعد انتهاء العمل في العيادة عائدين إلي منازلنا.
ولكني لاحظت انه دائما ما كان يتحاشى الطريق القصيرة المؤدية مباشرة إلي القرية.
ويجبرني علي سلوك الطريق الطويلة التي تلتف حول القرية .
و عندما سألته عن السبب قال لي:
إن هذه الطريق مظلمة و بها الكثير من برك الماء.
وليست جيدة للسير فيها ليلا.
لم اقتنع لأن كل طرق القرية لها نفس هذا الوصف.
ولكني لم أجادله كثيرا.
مادام يفضل سلوك الطريق الطويلة فليكن .
أنها ليست بالمشكلة الكبرى حقا.
ولكن في احد الأيام.
بعد انتهائي من العمل في العيادة .
كان علي استقبال بعض الضيوف في المنزل.
و استغرق مني العمل وقتا أطول مما كنت أتوقع.
فتأخرت عليهم.
فقررت سلوك الطريق القصيرة لتوفير بعض الوقت.
حاول الفتي باستماتة منعي من سلوك تلك الطريق.
و عندما رأي أني مصر علي سلوكه.
اخبرني بشيء غريب.
قال لي:
يا دكتور.
إن في هذا الطريق تقع ارض شجرة التوت.
فقلت له:
و ما المشكلة في هذا.
القرية بها العشرات من أشجار التوت.
فقال لي:
لهذه الشجرة قصة.
فقلت له:
قل بسرعة و لا تعطلني فانا متأخر.
فقال:
كان هناك رجلا من أهل القرية توفاه الله.
و كان له ولدان.
و بعد وفاة الوالد.
قرر الولدان أن يقسما التركة بينهما.
كانت التركة عبارة عن قطعتي ارض.
احدهما بها شجرة التوت التي أخبرتك عنها.
ولكن الولدان عند تقسيم التركة.
اختلفا علي من يأخذ قطعة الأرض التي تقع بها شجرة التوت .
ومن يأخذ قطعة الأرض الأخرى.
لان القطعة التي بها شجرة التوت كانت قريبة من الطريق و الترعة.
و بالتالي فسقيها أسهل و سعرها اعلي.
كما أن الشجرة نفسها كانت توفر الظل في حر الظهيرة.
وثمار التوت اللذيذة التي تنتجها الشجرة بغزارة.
كانت أيضا من الميزات التي تغري بامتلاكها.
مما أدي إلي احتكامهم إلي كبار السن من شيوخ القرية.
و الذين حكموا للأخ الأكبر بهذه القطعة.
لم يرضي الأخ الأصغر عن القسمة.
إلا انه لم يستطع الاعتراض بعد حكم شيوخ القرية.
فاستعرت النار في قلبه.
و في يوم من الأيام.
كان الأخ الأكبر و ولده الصغير يقومان بري قطعة الأرض ليلا.
و كانا يجلسان تحت الشجرة في انتظار انتهاء عملية الري.
عندها تسلل الأخ الأصغر في الظلام.
منتهزا فرصة انشغالهم بمراقبة عملية الري.
و عدم وجود أي شخص أخر في الجوار.
و قام بطعن أخيه الأكبر عدة طعنات نافذة.
ثم قام بذبح ابنه الصغير الذي كان يصرخ.
قام بذلك تحت هذه الشجرة.
و رغم أن القرية كلها كانت تعلم بأنه الفاعل.
إلا انه لم يثبت ضده أي دليل.
فآلت له ملكية قطعة الأرض بعد وفاة أخيه و ولده.
وفي احد الأيام.
و بينما الأخ الأصغر مستلقي في نفس المكان الذي قتل فيه أخيه و ولده.
وأمام أولاده و بعض أهل القرية.
إذ اندلعت النيران من جسده فجأة.
و بدون أي سبب.
ظل يصرخ و يتلوي.
و حاول الناس أن يسعفوه.
و لكن كان الأوان قد فات.
و كانت أخر كلماته .
قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
هذا ذنب أخي وولده .
لم يقترب أي شخص من هذا المكان بعد تلك الحادثة.
ومنذ ذلك الحين .
كلما مر شخص من هذا الطريق ليلا.
يري الأخ الأكبر و ولده يجلسان أمام النار تحت شجرة التوت.
ما أن انهي الفتي الحكاية.
حتى سخرت منه قائلا:
ما هذا الهراء.
إن ما تقوله هو خرافات و جهل.
أنا لا اصدق انك تعتقد في مثل هذا الكلام .
فقال لي يا دكتور.
أرجوك.
لقد رايتهم بنفسي .
ولولا أني أكن لك مشاعر الاحترام و التقدير لما حذرتك .
و تركني و انصرف سالكا الطريق الطويلة طبعا.
غمغمت بصوت منخفض:
ما هذا الكلام السخيف.
وانطلقت إلي المنزل سالكا الطريق القصيرة.
و بينما أنا في الطريق.
لاحظت أن هناك شجرة توت كبيرة .
في قطعة ارض غير مزروعة.
يجلس تحتها رجل و فتي صغير.
وإمامهم نار مشتعلة.
تملكني الرعب.
وتذكرت حكاية الفتي.
هل هذه هي الشجرة؟
و هذان هما الرجل و ابنه؟
ولكني ما لبثت أن تمالكت نفسي و قلت:
هما علي الأرجح شخصان عاديان.
أو ربما يستغلان القصة لإخافة الناس لغرض ما.
استبد بي الفضول.
فقررت أن أتحقق من الأمر.
اتجهت نحوهم في حذر لإلقاء نظرة عن قرب .
و لكن ما أن اقتربت.
حتى رأيت المشهد الذي لن أنساه أبدا في حياتي.
ثياب الرجل ملطخة بالدماء.
و التي تسيل مثل الحمم من ثقوب عده في جسده.
بينما الفتي تتدلي رأسه للخلف .
و عنقه مقطوعة تماما.
و الدماء تنساب منها.
لتغرق ثيابه و الأرض من حوله.
أصابني الدوار من هول المنظر.
فحاولت أن أعود أدراجي بسرعة .
إلا أنني تعثرت.
وسقطت أرضا.
عندها التفت إلي الرجل و الفتي.
و اندلع الجحيم.
اشتعلت النار فيما حولهما.
و اندفعت إلي عنان السماء.
ظلا ينظران إليّ بنظرات تحذير و وعيد جمدت الدماء في عروقي.
نهضت من علي الأرض.
و أسلمت ساقاي للرياح.
ولم أتوقف إلا عندما وصلت إلي البيت.
اندفعت إلي غرفتي.
وسط دهشة الجميع.
متجاهلا الضيوف و كل من بالمنزل.
و أغلقت الباب علي نفسي.
وظللت ارتجف من فرط الرعب.
حتى فقدت الوعي.
ومنذ ذلك الحين.
لم امشي من ذلك الطريق المريع مرة أخري.
لا ليلا .
و لا حتي نهارا.
تمت
***********
#فؤاد_طنطاوي
التعليقات على الموضوع